المقريزي
189
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
الناس ، وتوسّع في النفقات والهبات بحيث أخبرني الطبيب الفاضل شمس الدين محمد ابن الصّغيّر « 1 » أنه حجّ معه وجاور بمكة سنة ، فأنعم عليه دفعة واحدة بألف مثقال ذهب مصريّ سوى جميع كلفه . وأخبرني الشيخ محمد ابن المؤذن أنه أنعم عليه في مكة بخمسمائة مثقال ذهب مصريّة دفعة واحدة ، وكتب له على وكلائه بعدن من بلاد اليمن بخمسمائة مثقال ، لأنه كان متوجها إليها ، فقبضها منهم . وله مثل هذا كثير . وآخر ما عدته وهو مريض وقد نزل بالجيزة في خيمة كبيرة جميعها من الجوخ القص ، وهو على سرير في حال كهيئة السلطان . ومات من مرضه هذا يوم الخميس تاسع عشر شهر اللّه المحرّم سنة سبع وثمانين وسبعمائة ، ووصى للسلطان « 2 » بثلاثين ألف دينار مصرية ، وللفقهاء بأربعة آلاف دينار ، ولعدّة جهات من البرّ بمال كثير ؛ وكان قد جوّد القرآن الكريم بمكة في آخر عمره على الشيخ شمس الدين محمد الرّفّاء . وهو أحد الأفراد في التجار الذين أدركتهم لكثرة مروءته وسؤدده ونبله . وسمع منه مرة أنه قال : « كان مكسبنا في هذه السنة خمسمائة ألف درهم ، وجاء مصروفنا خمسمائة ألف درهم » . وهذه الخمسمائة الألف التي ذكرها كان عنها حينئذ نحو خمسة وعشرين ألف دينار مصرية . ومثل هذا إذا اعتبر في ذلك الوقت كان مصروفا كبيرا إلى الغاية . * * *
--> ( 1 ) هو محمد بن محمد بن عبد اللّه بن صغير ، ناصر الدين ، طبيب . مات بالطاعون سنة 749 ه ( الدرر 4 / 190 ) . ( 2 ) كان السلطان حينئذ الملك الظاهر برقوق .